شهداء التركمان

 

14 تموز 1959

 

 

مجزرة كركوك 14 يوليو/ تموز 1959 لماذا خطط الأكراد لتدمير المؤسسات الثقافيه التركمانيه ؟

 
 

14.07. 2005

صبرى طرابيه 

لم تكن مجزرة كركوك التى جرت وقائعها الداميه في 14 يوليو / تموز 1959 عملا عفويا قام به مجموعه من الحمقى الأكراد بل كان عملا مخططا ومدبرا بعنايه من قبل الزعامه الكرديه المهيمنه على الأحداث آنذاك وعلى رأسها الملا مصطفى البرزاني ، ولم يكن هدف الإرهابيون الأكراد مجرد بث الذعر والخوف فى نفوس تركمان كركوك وحسب بل كانت مراميهم تصبو إلى ماهو أكبر من ذلك بكثير ، إذ أن الإقتلاع الكامل ومحو الهويه الثقافيه و القوميه لتركمان العراق كان على رأس المهام التى كان يصبو الى تحقيقها الملا البرزاني ومن نهج نهجه المتطرف ، ولم تكن شعارات أذناب الملا ( بو ده راوه بيكانا ) أى اخرجوا من كركوك أيها الأغراب والمعني بها التركمان إلا تعبيرا عن الفلسفه الفاشيه التى سعى إلى نشرها هذا الملا المتطرف فى ربوع العراق المتسامح المتآخي والذى عاشت قومياته فى تآلف وموده حتى قدومه المشئوم من روسيا عام 1958 فبذر بذور الشقاق والخراب فى ربوع العراق ، وعمل – ومن بعده خلفائه - على جر القوميات العراقيه للصدام على نحو مانرى ونشاهد الآن فى كركوك الجريحه ، ولم يسمع العراقيون قبل قدوم هذا الملا من منفاه من يدعي من العراقيين بأن مدينة عراقية ما تخص قوميه دون أخرى بل كان العراق بكل مدنه ومناطقه ملكا لكل العراقيين بكل أطيافهم الدينيه والقوميه ، ولكنه سعى لدق إسفين الفرقه وبذر بذ الخلاف والشقاق بين القوميات برفعه شعاره اللعين ( كركوك شاري كوردانه ) أي أن كركوك مدينة الأكراد ، وشعاره الآخر ( كركوك شاري كورداني ) أي أن كركوك مدينه كرديه ، وكان مفهوما من رفع هذه الشعارات المتطرفه من قبل هذا الرجل المتطرف أن المطلوب هو إخلاء المدينه من سكانها الأصليين وا فى حملات التطهير العرقي ضد التركمان أولا ، ومن بعدهم العرب .. وهو بالضبط المخطط الذي يسعى خلفاؤه وأذنابه لتنفيذه الآن على أرض الواقع فى كركوك ، وكان طبيعيا أن يتحالف الملا البرزاني مع أراذل الناس وحثالات البشر وكل القوى الشريره وأن يرتكب من الحماقات والمجازر مايعجز القلم عن بيانه من أجل إبادة جزء عزيز وأصيل ومسالم من شعب العراق ألا وهم تركمان العراق الذين قدموا للعراق على مدار تاريخه أسمى وأجل الخدمات ، وكان هذا الملا المتطرف لايدع مناسبه إلا ويعبر فيها عن كرهه وحقده على هذه القوميه الأصيله الوفيه ويوعز لحثالات البشر بأن يهتفوا فى كل مناسبه بشعارات تعبر عن إستهانتهم بالتركمان كهتافهم ( برخي توركمان ) أي يا أيها التركمان الخراف ، وكانوا فى تشبيههم للمواطن التركماني بالخروف يعبرون عن سخريتهم من ميل التركمان للمسالمه والصفح عن المسييْ ، فالملا المتعطش للدماء لم تكن تروقه هذه الطبيعه المسالمه الوادعه لأبناء القوميه التركمانيه والتى كانت تكسبهم تعاطف بقية القوميات العراقيه الأخرى والشرفاء من الأكراد ، ولهذا كان يسعى لإستفزازهم بشتى السبل ، وجرهم للصدام والقتال بشتى الوسائل .
ومن السذاجه أن يعتقد البعض أن تدمير المقاهي والمسارح والأنديه ودور السينما العائده للتركمان كان عملا عفويا من قبل حفنه متطرفه من الأكراد خدعتهم شعارات الملا البرزاني أو أنه لم يكن عملا مقصودا ومدبرا ، بل نقرر وبالدليل أن ماجرى فى مجزرة كركوك 14 يوليو / تموز 1959 ومايجرى الآن فى كركوك عام 2005 ماهو إلا حلقه من حلقات لمخطط قديم وضعه الملا مصطفى البرزاني يهدف إلى قتل الرموز الثقافيه التركمانيه وتدمير المؤسسات الثقافيه العائده لتلك القوميه الوطنيه الأصيله والمخلصه ، وقد تأخر تنفيذ هذا المخطط على نحو كامل وحسب ماهو مخطط له لظروف سياسيه طفت على الساحه السياسيه العراقيه آنذاك ، وكان الملا مصطفى البرزاني قد أدرك بخبثه المعروف أن مقاهي التركمان فى كركوك ليست مجرد أماكن للدردشه والتسليه وتناول المشروبات بقدر ماهى منتديات ثقافيه تشع بنورها على المجتمع التركماني من جذور ثقافته الأصيله المتوقده فتشعل فى نفوس التركمان الحميه الوطنيه والقوميه وتدفعهم للتمسك بمدينتهم التاريخيه كركوك عاصمة الثقافه التركمانيه فى العراق ، فكان ولابد من إسكات صوت هذا الشعب وإطفاء جذوة إنبعاثه الثقافي والقومي بحرق وتدمير منتدياته وأماكن تجمعاته وقتل رموزه الثقافيه .

إذ كان أشد مايقلق الملا البرزاني هو تجمع التركمان فى مقاهي كركوك مثل ( كازينو يلدز ) و(بيات كازينوسي ) و ( ومقهى 14 تموز ) و ( ومقهى المجيديه ) و ( ومقهى أحمد اغا ) و( أصلان يواسي ) و ( ورشيد كوله رضا ) و ( ومصلى ) و ( جرت ميداني ) و ( جوت قهوه ) و ( وشاطرلو ) و ( وصولو ) وغيرها ، والتفافهم حول مشاهير الفنانيين التركمان أمثال : رضا كوله رضا ، عزالدين نعمت ، صديق بنده غفور ، عثمان تبله باشي ، جمال نالبند ، عثمان خضر وغيرهم ممن يؤمنون بأن للفن والغناء رساله قوميه ووطنيه ودينيه ، وأن واجبهم هو بث الوعى الوطني والقومي والدينى فى نفوس الشعب ، فضلا عن الدور البارز للحكائين التركمان من أمثال : طوبال ملا محمد ، ملا أمين ، وملا شاكر ، وملا بوياغ الذين إعتادوا على إرتياد المقاهي التركمانيه وسرد الحكايات الشعبيه التركمانيه وسير الأبطال التاريخيين للأمه التركمانيه المجيده ، وتمجيدهم للبطوله والفداء فى سبيل الوطن والقوميه والدين ، فلم يكن ذلك ليروق الملا البرزاني خصوصا مع تجمع اعداد غفيره من التركمان فى هذه المقاهي والمنتديات لتدارس أحوال قوميتهم والسعى من أجل أن تتبوأ مكانها اللائق بها بين أقرانها من القوميات الأخرى ، فكان عزمه على التخطيط من أجل حرق وتدمير هذه الأماكن وقتل الرموز الثقافيه التركمانيه على نحو مافعل فى يوم 14 يوليو / تموز 1959 ، ولم يكن مخطط الملا البرزاني قاصرا على ( قطف الرؤس ) أي قتل الزعامات السياسيه التركمانيه أمثال عطا خيرالله وغيره ، بل وايضا تدمير وحرق كافة مراكز الإشعاع الثقافي وقتل كافة الرموز الثقافيه التركمانيه بهدف إقتلاع التركمان من وطنهم وتكريد مناطقهم تمهيدا لإقامة كيانه اللقيط المسمى ب " كردستان " ، وقد أخذ حثالات البشر من المؤمنين بأفكار الملا البرزاني العنصريه فى مهاجمة مقاهي كركوك والتحرش برواد تلك المقاهي خصوصا اثناء زيارة الملا البرزاني المشئومه لكركوك فى 24 تشرين أول ( أكتوبر ) 1958 بهدف إشاعة البلبله والتوتر وإيجاد ذريعه يمكن بها القضاء على التركمان ، وعن أحداث تلك الأيام العصيبه كتب الأستاذ صلاح الدين الهرمزى فى كتابه ( دماء بريئه ) الصادر عن دار الزمان ببغداد عام 1963 مايلي :


" … 24 تشرين الأول 1958

.. الساعه تشير إلى الرابعه والنصف مساء من يوم الجمعه ، والشوارع غاصه بالأهلين وعدد من السيارات تقطع بجنون شارع الأوقاف ، واللافتات ترفرف من على فوقها مكتوبه باللغه الكرديه والعربيه ، وعليها صورة " عبدالكريم " و" البرزاني " ..

كنت واقفا أمام كازينو – ييلدز - وشاهدت ركاب السيارات يخرجون نصف جسدهم إلى الخارج ويهتفون : ( برخي توركمان )

إنتهت جموع السيارات فأقبلت سياره كبيره تحمل أولاد الشوارع وهم يتصايحون ويغنون ويرددون جملا علمهم كبيرهم " كبيرهم الذي علمهم السحر " !!!!!

ـــ كركوك شهري كورداني بزي ملا مصطفى البرزاني

ــــ كركوك شهري كوردانه به ده راوا بيكانه .

ومرت المظاهره خمس مرات أمام الكازينو إلا أن الرواد بدوا ساكنين . وهجم بعضهم على احد الجالسين ، وركلهم بالأيدي والأرجل وأرجعهم إلى الوراء .. وكادت العصابه أن تعيد الكره .. ولكن تدخل الحكومه حالت دون ذلك .
25 تشرين الأول 1958

مرت الساعات الأولى من النهار بسلام .. وفي الساعه الرابعه مساء . ودعت جماهير الأكراد البارزاني فى المطار المدني .. وعادت تحمل الصور واللافتات ، فلما وصلت أمام المستشفى العسكري وبدأوا يرمون رواد المقهى بالحجاره ويقذفونهم بقارص الكلام .. وظلوا ساكتين .. ولكن إستمرارهم فى اعمالهم القذره الصبيانيه أججت الحميه والغرور القومي عند التركمان فهجموا هجوما كاسحا على المتظاهرين وولو هاربين كالفئران المذعوره .. " ( دماء بريئه / رقم الصفحه 65 ، 66 )

...... ولم تتوقف إستفزازات الطغمه الملائيه الحاقده تجاه التركمان ومقاهيهم ومنتدياتهم ومراكزهم الثقافيه بل زادت وتيرتها حتى بلغت قمتها فى 14 يوليو / تموز 1959 ، حيث كانت المقاهي التركمانيه هى هدفهم الأول ، وكان أول الشهداء التركمان الذين سقطوا فى تلك المجزره الرهيبه هو المغنى والفنان التركماني صاحب الصوت العذب عثمان خضر جايجي ، حيث هاجم ذئاب الملائيه البغيضه مقهاه المعروف بمقهى 14 تموز مع بدء أحداث المجزره الرهيبه ، ومن بعده قتلوا الشهيد زهير عزت جايجي ( صاحب مقهى شاطرلو ) والشهيد شاكر زينيل جايجي صاحب مقهى ( صولو ) والشهيد صلاح الدين آوجي ( صاحب سينما العلمين ) وغيرهم من رواد الثقافه التركمانيه .

1ــ الشهيد عثمان خضر جايجي ( مقهى 14 تموز )

لقد كان الشهيد عثمان خضر جايجي صاحب مقهى 14 تموز فنان تركماني ذو حس قومى ووطني عال ، وكان بصوته العذب وأغانيه الرائعه يشعل الحميه القوميه لدى التركمان ويبعث فيهم روح البطوله ويذكرهم بالماضي التليد والمآثر الخالده لهذه القوميه العظيمه ، ولهذا وضعه الملا البرزاني وعصابته على رأس المستهدفين بالقتل ، وكان الشهيد هو أول ضحايا الحقد الملائي الأعمى على هوية وتراث وثقافة تركمان العراق ، وفي عشية إحتفالات 14 تموز وبينما كان المرحوم الشهيد يموج بالنشاط والحركه وسط رواد مقهاه من التركمان الذين ضاق بهم المكان وصلت مقدمة المسيره الإحتفاليه أمام المقهى وعندئذ تلقى ذئاب الملا إشارة البدء فأخذوا في رشق المقهى ورواده بالحجاره وكسروا واجهته الزجاجيه وجرحوا بعض الرواد غير أن المرحوم الشهيد وبشهامة أهل العراق الأوفياء دافع عن مقهاه ببساله مستخدما الأيدى والكراسي وتمكن بمفرده من إجبار حثالات البشر على التقهقر إلى الوراء وأراد ان يغلق المقهى على من به خشية أن يلحق السوء بالنساء والأطفال ، ولكن ذئاب البرزاني أعادوا عليه الكره مرة أخرى تصحبهم جموع غفيره من الملائيين الأشرار المدججين بالأسلحه ، وقد دافع الشهيد دفاعا مريرا عن مقهاه حتى خارت قواه وسقط جريحا فى معركة الشرف والكرامه ، وقد قام ذئاب الملائيه البغيضه بربطه بالحبال وسحلوه حيا فى شوارع كركوك .. كركوك التى احبها وتغنى بجمالها وسحرها فى الكثير من اغانيه والتى حولها الملا البرزاني واتباعه إلى ساحة معارك منذ نهاية الخمسينات من القرن الماضي وإلى الآن .

وقد ظل أشرار الملائيه يسحلون جسد الشهيد فى ساديه قل أن توجد إلا لدى هؤلاء الأشرار ، وظلوا يدورون به من شارع إلى شارع ومن محله إلى أخرى ، واحيانا يلقون به تحت أقدام جحافلهم لتدوسه الأقدام فى طقوس همجيه بربريه لم يشهد لها التاريخ مثيلا ، وفى احيان أخرى يلقون بجثته أمام السيارات الماره لتفتت عظامه وتسحق لحمه ، وظلت الجثه على هذا الحال إلى ان إستقرت عند معاونية ( شرطة القوريه ) وهى مشوهه تشويها فظيعا بعد أن صعدت منها الروح إلى بارئها لتصب اللعنات على الملائيه الحقيره عدوة البشر وعديمة الإنساتيه .

وقد سجلت لنا كتب التاريخ وبأيادي عربيه محايده بعض مشاهد عملية قتل وسحل الشهيد عثمان خضر على أيادي الملائيين الأوغاد وحلفائهم عبدة ماركس ولينين حيث كتب الأستاذ الدكتور شاكر مصطفى سليم الأستاذ بجامعة بغداد فى مؤلفه ( نضال وحبال ) المطبوع فى بغداد عام 1963 مايلي : -

" ..... وكان أحد شباب التركمان الطيبين المرحوم الشهيد عثمان خضر صاحب مقهى 14 تموز يفوق اكثر اهل كركوك حماسا للعيد العظيم . لقد اصر ان يقيم أمام مقهاه قوسا خاصا به . وجمع للقوس ما إستطاع من مال ووسائل تزيين وطفق يعمل به بنفسه بهمه وإندفاع حتى اخرجه قوسا رائعا يعبر عن حبه للعراق ، وثورة العراق ، ويعبر قبل هذا كله عن آماله كمواطن صالح خير مما يريد من ثورة العراق ... لقد بدا القوس رائعا كالثوره متلالئا كالآمال التي علقت على الثوره ، شامخا بارزا كشموخ العراق وبروزه من تحت أنقاض العهد المباد ... وطار الرجل المخلص الخير فرحا حين تم طاقه وأضيئت أنواره .

وبكر الشهيد المرحوم صبيحة اليوم العظيم إلى مقهاه وهو يختال فخرا بطاقه ويتمايل نشوان بملابسه الجديده التى اعدها للعيد ... واعلن عن شيىءْ يتناسب وفرحة العيد ، وروعة العيد ، ومشاعر المواطن النبيل في العيد ... أعلن ان مقهاه ستستقبل كافة المواطنين ذلك اليوم وتقدم لهم المرطبات بدون مقابل ... أليس اليوم يوم العيد الأكبر ؟

... وأراد أن يسجل ويخلد تلك الفرحه العظيمه والعيد الكبير فأخذ مع اصدقائه عددا من الصور التذكاريه أمام طاقه الفخم وفي مقهاه التي تحمل إسم اليوم العظيم 14 تموز .

وامتلأت المقهى بالمواطنين قبل موعد سير المواكب بساعات . وجاءت النسوه التركمانيات بكامل زينتهن وبملابسهن التقليديه الجميله فأحتللن سطحها وجلسن ليرقبن المواكب الزاخره الهاتفه للثوره وللأخوه العربيه والكرديه والتركمانيه ... واشتدت الفرحه بالرجل النبيل وهو يرى الحشود من المواطنين تملأ كل شبر من مقهاه والنسوه التركمانيات الكريمات الوادعات وقد قلبن سطح المقهى إلى لوحه زيتيه رائعه تعج باللوان الزاهيه الجميله والوجوه الطافحه بالبشر والأمل . فرقص هو وصحبه رقصات تركمانيه على دق الطبول واهازيج النساء الرقيقه الخلابه .

ولكن بعض عقلاء التركمان ابدوا مخاوفهم من بعض الدلائل التى اشارت إلى شر وشيك الوقوع بالتركمان المبتهجين بعيدهم الأكبر .. تعليقات بدت من بعض الصعاليك ، واستهزاء ووعيد افلت من افواه بعض ذوى العاهات وهم يمرون على التركمان الغارقين فى الإعداد لعيدهم العظيم ... ولكن المناسبه كانت اروع وأضخم من ان يعتد معها بكل ذلك .. وقالوا قد تقع بعض الإستفزازات ، ولكنهم كانوا شديدى الثقه بأن روح العيد وفرحة العيد وروعة العيد ستطغى على كل شيىء ...

وبدأت المواكب تمر ... الآلاف من العرب والتركمان والأكراد يسيرون بهدوء وانتظام ويرددون هتافات تمجد الثوره وتدعو للتآخي بين القوميات ... ولكن المجتمعين فى مقهى 14 تموز لاحظوا أمرا غريبا .. لاحظوا عددا من الصعاليك ، بعضهم فى ملابس المقاومه الشعبيه ، يحملون الحبال والخناجر والسكاكين ويلوحون بها .. وتمثل الخطر أمام اعينهم ولكنهم ابعدوه بهتاف حار وتصفيق مدو ... وانغمروا فى الفرحه الكبرى .. ثم تعالت هتافات عدائيه من الصعاليك فوجم التركمان وحز الألم ، ألم تدمير فرحة العيد العظيم فى نفوسهم ... وهتف الفوضويون :

ــــ ماكو مؤامره تصير والحبال موجوده ..

فتلفت التركمان وكأنهم يتساءلون : أين المؤامره ؟ وماالداعي لذكر الحبال ؟

ــــ جبهه ، جبهه وطنيه ... فلتسقط الطورانيه ...

وتمثل الشر جليا واضحا ... واشتد الهتاف المعادي ، واشتد التلويح بالحبال ... ثم فجاة ... دوت فى الجو الصاخب طلقه ... ولم تكن تلك الطلقه غير إشارة الإنطلاق ... فلقد بلغت كركوك ساعة صفرها ... وأختل النظام ، وتدافع الناس . وبدأ قسم يهرب من المسيره ، فتساقط عدد منهم فداسته أقدام الهاربين المضطربين ... واشتد الهرج والمرج ... وهب عثمان خضر وصحبه المخلصون يهدئون من كان فى المقهى ويدعونهم لضبط أعصابهم ... ورد التركمان على نذر الشر بالهتافات للجمهوريه والأخوه العربيه الكرديه التركمانيه .. وبشيىء آخر .. بالحلوى و( الملبس ) يرمونه على المواكب وعلى الصعاليك التي تزايد رقصها الجنوني وتلويحها بالحبال والخناجر والسكاكين .. لقد أراد التركمان المخلصون الطيبون ان يردوا على تهمة الطورانيه بالهتاف بالتآخي بين القوميات ، وعلى رصاص العبيد وحبالهم بالحلوى و(الملبس ) علهم يذكرون تلك الذئاب المتوحشه أنه يوم العيد ، يوم الفرحة والتهاني والزهور والألوان الزاهيه والحلوى ... وأطلق الصعاليك مزيدا من الإطلاقات فاجاب التركمان عليهم بالمزيد من الهتافات الوطنيه وبكميات كبيره من الحلوى و(الملبس ) .

ثم زلزلت الأرض زلزالها وانهمر الرصاص كثيفا من كل جانب .. وهرب الناس كالمجانين من الشوارع فتركوها خاليه إلا من الأحذيه المنزوعه وشعارات الراس المتناثره . وطلبت النسوه العزل وأطفالهن القصر النجاة من سطح المقهى المكشوف فتراكضن يسحبن أطفالهن ويتعثرن بأرديتهن ويتدحرجن على السلالم وفى الشوارع القريبه . ولجأن إلى بعض البيوت القريبه . وعلا صراخ الأطفال الذين أضاعوا أمهاتهم وعويل النسوه اللواتي فقدن اطفالهن فى الزحام الشديد . وسقط عدد من النسوه المذعورات على سلالم المقهى فتلقفهن الرجال المشدوهون المأخذون ... واشتد اطلاق الرصاص وتعالى من كل جانب حتى طغى على صراخ الأطفال والنساء وعلى صيحات الإستنجاد والإستغاثه ... وظل عثمان خضر يعاون النسوه الفزعات ويدفع بالأطفال المذعورين إلى أمهاتهم ... ثم وصلت أول حصيله للرصاص المجنون ... وصلت باكورة الإنتاج الدموي في مجزرة كركوك ... الموكب الأول من مواكب الموت والدمار يجرى ويهدر كالصخره الساقطه من جبل ... أربع جثث ، وذئاب وهتاف ... وصلت الذئاب تسحل أربعة رجال تركمانيين لم يفارقوا الحياة بعد ، يستغيثون فيغاثون بالركل والضرب بالعصي والحجاره والسكاكين والخناجر وأخمص البنادق والرشاشات ، وتعوي الذئاب حولهم :

ــــ ماكو مؤامره تصير والحبال موجوده ...

ــــ جبهه ، جبهه وطنيه ... فلتسقط الطورانيه ...

وعندئذ بدا العيد واضحا للتركمان ... أنه لم يكن عيدهم كما أرادوا ، ولكنه سيكون عيد الصعاليك ، عيد آكلي لحوم البشر ، عيد زمر القتل والسحل والتمثيل بالأبرياء ... وهجمت الذئاب على المقهى فأمطرته برصاصها ..ثم رشقته بالحجاره ... فطلب كل من فيه النجاه .. ولكن عثمان خضر لم يفلح في الهرب ... وحاصرته الذئاب ، ثم امسكت به .. وانهال ( دعاة الوطنيه ) عليه أول الأمر بالضرب المبرح بالعصي الغليظه وبأخمص البنادق والحجاره وهو يستغيث ... يستغيث :

ــــ لخاطر الله ... لخاطر محمد ...

ــــ فيأتيه الجواب من الصعاليك ضربا مبرحا ... و

ــــ وين أكو الله ؟ ... الله اليوم ماخذ اجازه ...

ويستغيث المسكين :

ـــ لخاطر الزعيم ...

فيأتيه الرد لئيما فوضويا :

ــ الزعيم أبغداد ...

وسقط المسكين يسبح فى دمه ، فعاجله احد الشقاه بإطلاقه من مسدسه فانقطع مع دويها صوته وتلاشت مع صوتها استغاثاته ... وسرعان ما التف الحبل حول رجليه ... وسرعان ماخرج عثمان خضر من مقهاه الذي دخله صباح ذلك اليوم روحا من بهجه ونشوه وأمل جثة هامده سابحه بالدم ومسحوله بالحبال الحمراء ... ثم ربط الشهيد إلى سياره وانطلق الموكب الثاني من مواكب الموت والدمار ، موكب صاحب مقهى 14 تموز ، يسحله أعداء 14 تموز ، يوم 14 تموز ، وهم يرقصون كالمجانين حول جثته يهتفون باسم الوطنيه وهم ينهالون بعصيهم وخناجرهم وبنادقهم وأحذيتهم على احد شهداء الوطنيه .

وفى الوقت الذي انقضت زمره لئيمه من الذئاب الصعاليك على قوس صاحب مقهى 14 تموز فألقته أرضا ثم حطمته وصيرته قطعا متناثره من الزجاج والقماش والأخشاب والأعلام ، علقت زمره اخرى من الذئاب الصعاليك على عمود كهرباء جثة الشهيد صاحب مقهى 14 تموز مهشمه مشوهه مفتوحة الجراح مقطعة الأوصال ... لقد سقط القوس المتلألىء الزاهي ، رمز العيد ، ودليل اخلاص المواطنين لثورتهم وعراقهم ،

وارتفعت عوضا عنه جثة صاحب القوس الشهيد عثمان خضر المسحوله المشوهه ، دليلا على الإجرام والفوضويه ، وشاهدا على العبوديه والتبعيه . " ( نضال وحبال من الصحيفه رقم 211 حتى 216)



وعن مجزرة كركوك وماجرى من حرق وتدمير لمقهى 14 يوليو تموز وقتل صاحبها الشهيد عثمان خضر جايجي مثل أحد العسكريين ويدعى ( أبوعادل ) أمام لجنة التحقيق الخاصه التى أرسلت من قبل حكومة بغداد وروى جانبا من مشاهداته على النحو الاتي :

"..... وعند وصول طلائع الموكب أمام مقهى 14 تموز لصاحبه الشهيد ـ عثمان خضر ـ أخذوا يرشقون الجالسين بالحجاره وكسروا واجهة زجاجها ، وجرحوا بعض الرواد ، وفجاة سمعت صوت اطلاقه ، وهجوم على صاحب المقهى بالعشرات ودافع المرحوم بالأيدى ، والكراسي وارجعهم الى الوراء ،وأراد أن يغلق المقهى ، ولكنهم اعادوا الكرة بجموع غفيره مسلحه ،وأيضا دافع ، وأخيرا سقط جريحا فى معركة الشرف والكرامه ، وربطوه بالحبل ، وسحلوه حيا ، والعصي الغليظه تهشم رأسه وأضلاعه . وقسم كبير منهم هجموا على دكان الصاغه لنهب ماتقع تحت أيديهم ، وتراكض المحتفلون الى غير هدى ، ورجعت نحو داري والشارع مليء بالعباءات والأحذيه المتروكه المنسيه قسرا ،ووصلت أمام دار الإنضباط العسكري واحد المستكلبين يخطب :

... أيتها الجماهير البطله .. القوى الرجعيه الطورانيه تذبح خيرة رجالكم المناضلين !!!! .. فالى السلاح ، والهجوم الى المشاجب ودعوة العشائر للنزوح إلى كركوك .. !

وفى طريق عودتي قابلتنى زمرة الأشرار وهى تسحل الشهيد عثمان وتدور به الشوارع ، أو ترميه فى وسط الشارع تدوسه الجماهير ، والسيارات ، وتفتت عظامه ، وتسحق لحمه . " ( دماء بريئه صحيفه رقم 162 / 163 )

2 ــ زهير عزت جايجي ( مقهى شاطرلو )

لقد كان مقهى شاطرلو يقع عند ملتقى عدة طرق في منطقه جميله وهادئه بكركوك محاطه بالقصور والحدائق الغناء ، وكان صاحبه الشهيد زهير عزت جايجي حريصا على ان يزينه بمختلف انواع المصابيح الملونه ، وكان المقهى يعج بالرواد من مختلف ابناء الشعب التركماني ، وقد إعتاد الشهيد زهير على مقابلة زبائنه ببشاشته المعهوده وإبتسامته العريضه ، كما كان حريصا على إرضاء الجميع ولذا أحبه الجميع ، وكانوا يطلقون عليه لقب " الرجل الطيب " ، وكان زهير ومنذ نعومة أظافره وطنيا قوميا محبا لبنى قومه ووطنه ، وقد لفت مقهاه الذى يعج بالرواد من التركمان صباح مساء أنظار العبيد العملاء من اتباع الملا البرزاني وحلفائهم من عبدة ماركس ولينين فأخذوا يرصدون المقهى ويرفعون التقارير لأسيادهم العملاء ، وكان طبيعيا أن يخطط الملا البرزاني الذي لايشعر بالراحه لأى نشاط ثقافى أو إجتماعى أو سياسي تركماني لتدمير وحرق المقهى و قتل صاحبه ، وأن يضعهما على قائمة المراكز الثقافيه المستهدفه بمجزرة كركوك 1959 ، ومع إنطلاقة أحداث كركوك تم تدمير وحرق مقهى ( شاطر لو) مع أن صاحبه ومع بدء الأحداث قام بغلق المقهى والإحتماء بدار جاره المسيحي ، بيد أن ذئاب الملا البرزاني أخرجوه هو وجاره المسيحي وقتلوهما ببشاعه يصعب تصويرها .

عما جرى يوم ذاك كتب الأستاذ صلاح الدين الهرمزي فى كتابه ( دماء بريئه ) مايلي :

" ... والشهيد قد لجأ إلى دار جاره المسيحي ، وأخرجوه بالقوه مع صاحب الدار وسحلت كلا منهما سيارتان تسيران بإتجاهين متعاكسين ، وهما يستنجدان مره ويستغيثان مرة وانشقت جثتا الشهيدين إلى أربعة أنصاف ، وإنقسم الوحوش إلى أربعة قطيع كل يجري وراء " غنيمته الثمينه " .

وبعد ساعه اجتمع شمل الصعاليك الذئاب وقرروا أن يعلقوا نصفي كلا من الجثتين عند الآخر فعلقوا الجثه الأولى " نصفها للشهيد زهير والنصف الآخر للشهيد المسيحي " أمام دار الشهيد قاسم النفطجي ، والجثه الثانيه على فرع شجرة نخل أمام " الشبيبه الديمقراطيه " بمحلة بكلر ...

وبقتا على حالهما مدى ايام المجزره مع جيش الذباب ، وألسنة شمس تموز تكويهما .

وترك شهيدنا وراءه ستة اطفال فى عمر الزهور ، وزوجه شابه وام عجوز ، ورأى الطفلان الكبيران كيف اخرج الفوضويون والدهما بالإهانه والضرب فخافا كثيرا ، وشبح والدهما يرف ليلا فى جنبات الدار الموحشه ، ويقومان مذعورين يهذيان :

ماما .. ماما .. بابا هنا قومي :

وتنهض الأم الوفيه وجدتهما مع باقي الأطفال .. ثلاثه يضع رأسه فى حضن الجده ، والثلاثه الآخرون فى حجر الوالده . وستة أفواه تنادي مرة :

بابا .. بابا .. أين أنت ؟ متى تعود ؟

وفى صمت الليل يرتفع نشيج مفجع دام مؤلم ، يضرب جوانب الدار الكئيبه الحزينه ثم يتلاشى فى جوف المنطقه الهادئه ..

وبعد أشهر قلائل .. كان الحفارون يحفرون في " مقبره الشهداء " ثلاثة قبور جدد قرب الشهيد " زهير " أحدهما لأمه والآخران لطفليه الكبيرين ؟؟؟ "

( دماء بريئه صحيفه رقم48/49 )


3 ـ الشهيد شاكر زينل جايجي ( صاحب مقهى صولو ) :

وكان من ضحايا مجزرة كركوك الرهيبه الشهيد شاكر زينيل جايجي ذلك المناضل التركماني الذي أمضى حياته دفاعا عن وطنه وقوميته ، وكانت مقهاه ( صولو ) مكانا لتجمع المثقفين التركمان ،يناقشون فيه مختلف قضايا الوطن ، وحقوق القوميه المغبونه ، ولم يكن العبيد العملاء من اتباع البرزاني يروقهم ذلك النشاط الدائب للشهيد شاكر زينل ، وتلك الروح الوطنيه والقوميه التى يتحلى بها ، ولهذا وضعوا مقهاه على قائمة المراكز الثقافيه المستهدفه بعملية الحرق والتدمير ووضعوا إسم الشهيد فى قوائم المستهدفين بالقتل .

وكان من بين شهود مجزرة كركوك وأحد مصابيها المواطن التركماني ( صبحي بارماغسز ) الذي يروي لنا جانبا مما رأى وشاهد من إعتداء البرزانيين على الشهيد شاكر زينل ومقهاه ، فسجل للتاريخ مايلي :

" .... وفجاة لعلع الرصاص واصطبغت الصدور البريئه بالدماء ، واختل توازن المسيره ، كل يريد إنقاذ نفسه بين هذا الصخب الهائل المائج أشبه بقطيع غنم فاجأه ذئب كاسر ، احتميت بمقهى وكانت غاصه بالأطفال والنساء والرجال وبعد دقائق جاء " الشرفاء وادعياء التقدميه " وهم يحملون على صدورهم حمامات السلام وفى ايديهم الموت الزؤام وانهالت التواثي والخناجر والمساحي على صاحب المقهى " شاكر زينل " وبعد دفاع مستميت وقع جريحا ووضعوا الحبل على رقبته وسحلوه وهو حي ، ولم يعيروا اذنا لتوسلاته بل يجيبونه ( الله فى اجازه ) ( إذا نبي موجود دعه يخلصك من أيدينا ) .

ويضيف صبحي في جانب آخر من مذكراته ماي